حبيب الله الهاشمي الخوئي
5
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
بالقدر خيره وشرّه فقد كفر ، ومن حمل المعاصي على اللَّه فقد فجر . إنّ اللَّه عزّ وجلّ لا يطاع باكراه ، ولا يعصى بغلبة ، ولا يهمل العباد من الملكة ، ولكنّه المالك لما أملكهم ، والقادر على ما أقدرهم ، فان ائتمروا بالطاعة لن يكونوا صادّا مثبطا ، وان ائتمروا بالمعصية فشاء أن يحول بينهم وبين ما ائتمروا به فعل ، وإن لم يفعل فليس هو حملهم عليها ولا كلَّفهم ايّاها جبرا ، بل تمكينه إيّاهم وإعذاره إليهم طرفهم ومكَّنهم ، فجعل لهم السّبيل إلى أخذ ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه ، ووضع التّكليف عن أهل النّقصان والزّمانة ، والسلام . وهذا الحديث الشريف وإن كان صدره مختصّا بالطعن على الحسن البصري وأتباعه إلَّا أنّه بتمامه متضمّن للرّد على جميع الصوفيّة في قولهم بالجبر وعلى الواصليّة والإباحية خصوصا حيث قالوا بسقوط التكاليف عند الوصول حسبما عرفت فيما تقدّم تفصيلا الثامن في الاحتجاج روي أنّ زين العابدين عليه السّلام مرّ بالحسن البصري وهو يعظ الناس بمنى فوقف عليه ثمّ قال له : أمسك أسألك عن الحال الَّتي أنت عليها مقيم أترضاها لنفسك فيما بينك وبين اللَّه للموت إذا نزل بك غدا قال : لا ، قال : أفتحدّث نفسك بالتحوّل والانتقال عن الحال التي لا ترضاها لنفسك إلى الحال الَّتي ترضاها قال : فأطرق مليّا ثمّ قال : إنّى أقول ذلك بلا حقيقة ، قال : أفترجو نبيّا بعد محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يكون لك معه سابقة قال : لا ، قال : أفترجو دارا غير الدّار الَّتى أنت فيها فتردّ إليها فتعمل فيها قال : لا ، قال : أفرأيت أحدا به مسكة عقل رضي لنفسه من نفسه بهذا أنّك على حال لا ترضاها ولا تحدّث نفسك بالانتقال إلى حال ترضاها على حقيقة ولا ترجو نبيّا بعد محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ولا دارا غير الدار الَّتي أنت فيها فتردّ إليها فتعمل فيها وأنت تعظ الناس قال : فلمّا ولَّى عليه السّلام قال الحسن البصري : من هذا قالوا : عليّ بن الحسين عليهما السّلام قال : أهل بيت علم ، فما رأي الحسن بعد ذلك يعظ الناس